الشيخ محمد الصادقي الطهراني
50
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
إذاً فمثلك في دعاء الذين كفروا ، أم ومثل الذين كفروا في دعاءك إياهم « كمثل الذي يئحق بما لا يسمع . . . » . « 1 » « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ » « 2 » فلما لم يؤثر « يا أيها الناس . . . » أثره إلّا في الذين آمنوا ، فليكرر له الخطاب تشريفاً بلقب الإيمان ، « كلوا من طيبات ما رزقناكم » وهنا ترْكُه « حلالًا » يؤيّد حِلّ « حلالًا » في آية الناس عن تقيُّد « مما في الأرض » إلى ضابطة الحل ، مهما زاد قيداً بعد « طيبات » هو « ما رزقناكم » وليس رزق غيرك رزقَك كما ليس رزقُك رزقَ غيرك ، فقد تقيَّدت أصالة الحل بما رزقك اللَّه ، وليس رزقك إلّا ما حصلت عليه من حِلِّه ، أم هو رزق جماعي لا مالكَ له شخصياً كالأملاك المشتركة قبل خروجها عن الاشتراك ، مثل الغابات والبحار والأنهار حسب الضوابط المقررة في الشرع . وترى ان اللَّه يرزقنا مع الطيبات غيرها ثم ينهاها عن غيرها ، فلماذا - إذاً - يرزقنا ؟ إنه قد يرزقنا من غير الطيبات أكلًا ولكنها من الطيبات لغير الأكل كالأصباغ أما شابه ! ثم ومن الطيبات ما يُصنع منها غير الطيبات وهي رزق غير حسن بما أساء الإنسان : « ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً » « 3 » فثمرات النخيل والأعناب هي كأصلها رزق حسن ، وقد يتخذ منها سَكَرٌ وهو غير حسن . وقد تعني « طيبات ما رزقناكم » فيما عنت ، أن ما رزقناكم للأكل هي كلها طيبات ، إضافةَ الصفة إلى الموصوف : كلوا من الطيبات التي رزقناكم ، ولكنه كمعنى خاص يخرج الرزق عن عمومه ، الشامل لغير الطيبات التي نصنعها من الطيبات .
--> ( 1 ) ) نور الثقلين 1 : 152 عن أبي جعفر عليه السلام في الآية : « مثل الذين كفروا » في دعاءك إياهم ، أي مثل الداعي لهم إلى الايمان كمثل الناعق في دعائه المنعوق به من البهائم التي لا تفهم وانما تسمع الصوت ، فكما أن الانعام لا يحصل لهم من دعاء الداعي إلّا السماع دون تفهم المعنى فكذلك الكفار لا يحصل لهم من دعائك إياهم إلى الايمان إلّا السماع دون تفهم المعنى . لأنهم يعرضون عن قبول قولك وينصرفون عن تأمله فيكونون بمنزلة من لم يعقله ولم يفهمه . . ( 2 ) ) 2 : 172 ( 3 ) ) 16 : 67